شوقي ضيف
268
المدارس النحوية
العرب قد نطقت فيه بشئ آخر على قياس غيره فدع ما كنت عليه إلى ما هم هم عليه » « 1 » . ويطبق قاعدة الاستحسان في الفقه الحنفي على بعض الأبنية . ونحسّ أثر المباحث الفقهية حين يتحدث عن حمل الفرع على الأصل والعكس « 2 » والحمل على الظاهر « 3 » ، وغلبة الفروع على الأصول « 4 » واختلاف اللغات وكلها حجة على نحو ما يختلف الفقهاء « 5 » ، ويعود مرارا إلى مراجعة الأصول والفروع « 6 » ويتحدث عن تركيب المذاهب وعن وجوب الجائز . ويستعير من المتكلمين حديثهم عن السبب والمسبب « 7 » والمستحيل « 8 » . ولعل في ذلك كله ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا . ويردّد ابن جنى في الخصائص وغيره حديثه عن البصريين باسم أصحابنا كما مر بنا في غير هذا الموضع ، وكثيرا ما يضعهم مقابل البغداديين « 9 » ، وكأنما ينزع نفسه منهم نزعا ، وقد أسلفنا أنه يريد بالبغداديين أوائلهم ممن كانوا ينزعون إلى الكوفة مثل ابن كيسان ، وهم حقّا من ذوق غير ذوقه ومن هوى غير هواه ، فهو بغدادي من طراز آخر ، طراز أستاذه أبى على الفارسي والزجاجي ، طراز كان ينزع إلى البصريين ، وهو الطراز الذي عمّ وساد منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، وكان هو وأستاذه من أهم الأسباب في شيوعه ، إذ كانا ينتخبان من المذهبين البصري والكوفي مع نزعة شديدة إلى البصريين ، ومع الفسحة وفتح الأبواب على مصاريعها للاجتهاد ومخالفة البصريين والكوفيين بقدر ما يؤديهما النظر وتسعفهما الحجة . ونستطيع أن نرجع إلى الآراء المنثورة لابن جنى في كتاباته المنشورة وفي المراجع النحوية ، فسنراه يطبق هذا المنهج تطبيقا دقيقا ، إذ كان يوافق البصريين في
--> ( 1 ) الخصائص 1 / 125 . ( 2 ) الخصائص 1 / 111 وانظر 1 / 208 حيث يصرح بأنه يستضىء بأبى حنيفة في حديثه عن الدور والوقوف منه على أول رتبة . ( 3 ) الخصائص 1 / 251 . ( 4 ) الخصائص 1 / 300 . ( 5 ) الخصائص 2 / 10 . ( 6 ) الخصائص 2 / 342 وما بعدها . ( 7 ) الخصائص 3 / 173 . ( 8 ) الخصائص 3 / 328 . ( 9 ) الخصائص 1 / 137 .